الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

140

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وتضاحكوا ، فأنزل اللّه هذه الآية . وقرأ الجمهور وَالْكُفَّارَ - بالنّصب - عطفا على الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ المبيّن بقوله : مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ . وقرأ أبو عمرو ، والكسائي ، ويعقوب وَالْكُفَّارَ - بالخفض - عطفا على الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ، ومآل القراءتين واحد . وقوله : وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي احذروه بامتثال ما نهاكم عنه . وذكر هذا الشرط استنهاض للهمّة في الانتهاء ، وإلهاب لنفوس المؤمنين ليظهروا أنّهم مؤمنون ، لأنّ شأن المؤمن الامتثال . وليس للشرط مفهوم هنا ، لأنّ الكلام إنشاء ولأنّ خبر كان لقب لا مفهوم له إذ لم يقصد به الموصوف بالتّصديق ، ذلك لأنّ نفي التّقوى لا ينفي الإيمان عند من يعتدّ به من علماء الإسلام الّذين فهموا مقصد الإسلام في جامعته حقّ الفهم . وإذا أريد بالموالاة المنهي عنها الموالاة التّامة بمعنى الموافقة في الدّين فالأمر بالتّقوى ، أي الحذر من الوقوع فيما نهوا عنه معلّق بكونهم مؤمنين بوجه ظاهر . والحاصل أنّ الآية مفسّرة أو مؤوّلة على حسب ما تقدّم في سالفتها وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [ المائدة : 51 ] . والنّداء إلى الصّلاة هو الأذان ، وما عبّر عنه في القرآن إلّا بالنداء . وقد دلّت الآية على أنّ الأذان شيء معروف ، فهي مؤيّدة لمشروعية الأذان وليست مشرّعة له ، لأنّه شرع بالسنّة . وقوله : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ تحقير لهم إذ ليس في النداء إلى الصّلاة ما يوجب الاستهزاء ؛ فجعله موجبا للاستهزاء سخافة لعقولهم . [ 59 ، 60 ] [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 59 إلى 60 ] قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ ( 59 ) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ( 60 ) هذه الجمل معترضة بين ما تقدّمها وبين قوله : وَإِذا جاؤُكُمْ [ المائدة : 61 ] . ولا يتّضح معنى الآية أتمّ وضوح ويظهر الدّاعي إلى أمر اللّه ورسوله - عليه الصّلاة والسلام - بأن يواجههم بغليظ القول مع أنّه القائل لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ